حيدر حب الله
207
حجية الحديث
غير مطابق فهو من الظنّ المنهي عنه ، فإنّ هذا غير معقول ؛ لأنّ الآيات - بناء عليه - تصبح مُدينةً لكلّ صاحب اعتقاد خاطئ ( ولو كان عن علم ويقين ) ، ولو كان صاحبه معذوراً في اعتقاده على مستوى المقدّمات والنتيجة معاً ، وهذا شيء غير معقول بداهةً ؛ إذ سيصبح الإنسان مكلّفاً بالواقعيّات الخارجيّة لا بها من حيث انكشافها الممكن له ، وهذا في الجملة تكليف بغير المقدور . الحالة الثانية : ما لو عمّمنا الارتباط بين العلم في الآيات وبين الظنّ المطابق للواقع ، فكلّ ظنّ مطابق للواقع فهو علم غير منهيّ عنه ، أو فقل : هو - في الحدّ الأدنى - ظنّ غير منهي عنه ، فهذا لو انسجم مع نفي العلميّة عمّا هو غير مطابق للواقع ، لكنّه لا ينسجم مع إثبات أنّ الظنّ المطابق هو علم ، فهذا منافٍ للغة العربيّة ، ولم يذكره أحد من علماء اللغة ، ومنافٍ لبعض المقابلات بين الظنّ والعلم واليقين في بعض الآيات المتقدّمة كما أسلفنا ، حتى لو نشأ هذا الظنّ من مبرّرات موضوعيّة ، فلا تقول العرب : هذا الظنّ علمٌ ، حتى لو صحّ أن يُطلق على العلم المطابق للواقع أنّه ظنّ ، كما قيل في بعض الآيات من أنّه تمّ فيها استخدام الظنّ وأريد منه اليقين . يضاف إلى ذلك أنّه لو كان مطلق الاعتقاد المطابق للواقع هو علم ولو كان غير يقيني ، أو هو ظنّ غير منهي عنه ، فنحن نسأل : كيف نعرف أنّ ظنوننا مطابقة للواقع حتى ندرجها في سياق العلم أو في سياق الظنّ غير المنهي عنه ؟ ! ومن ثم فيكون التمسّك بهذه الآيات في غير مورد انكشاف الواقع لنا عن علم أمراً عبثيّاً ، فهي في قوّة قولنا : كل ظنّ غير مطابق للواقع فأنت منهيّ عنه ، وكلّ ظنّ مطابق فأنت مأمورٌ به أو على الأقلّ لستَ منهيّاً عنه ، فكيف يعرف المخاطَب أنّ ظنّه - ما دام ظنّاً - غير مطابق للواقع حتى ينتهي عنه ، أو مطابقٌ للواقع حتى يعمل به ؟ ! فحتى دليل حجيّة الظنّ الخاصّ لا يثبت له ذلك إلا على مسلك العلميّة والطريقيّة الذي تقدّم إبطاله . بل لعلّ الأصحّ أن يتمسّك بأصل عدم التقارن والتطابق بين الظنّ والواقع ليحقّق موضوع الاستدلال بالآيات هنا ، وهذا ما يشكّل قرينةً لبيّة صارفة عن هذا الاحتمال التفسيري .